خليل الصفدي

193

نكت الهميان في نكت العميان

يقول منها في المديح : إنما الدنيا أبو دلف * بين باديه ومحتضره فإذا ولى أبو دلف * ولت الدنيا على أثره كل من في الأرض من عرب * بين باديه إلى حضره مستعير منك مكرمة * يكتسيها يوم مفتخره وهي ثمانية وخمسون بيتا . قال قاضى القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان ، رحمه اللّه تعالى : سئل شرف الدين بن عنين عن هذه القصيدة وقصيدة أبى نواس الموازنة لها التي أولها : أيها المنتاب من عفره * لست من ليلى ولا سمره فلم يفضل إحداهما على الأخرى ، وقال : ما يصلح يفضل بين هاتين إلا شخص يكون في درجة هذين الشاعرين . ثم أن العكوك مدح حميد بن عبد الحميد الطوسي ، فقال له : ما عسى أن تقول فينا وما أبقيت لنا بعد قولك في أبى دلف : إنما الدنيا أبو دلف ، وأنشد البيتين ، فقال : أصلح اللّه الأمير ، قد قلت فيك ما هو أحسن من ذلك ، فقال : ما هو ؟ فأنشد : إنما الدنيا حميد * وأياديه الجسام فإذا ولى حميد * فعلى الدنيا السلام فتبسم ولم يحز جوابا ، فأجمع من حضر المجلس من أهل العلم بالشعر أن هذا أحسن مما قاله في أبى دلف ، فأعطاه وأحسن جائزته . قال ابن المعتز في « طبقات الشعراء » : لما بلغ المأمون خبر هذه القصيدة غضب غضبا شديدا ، وقال : اطلبوه حيث ما كان ، فطلب فلم يقدر عليه ؛ لأنه كان مقيما بالجبل وهرب إلى الجزيرة الفرانية ، فكتب إلى الآفاق بأخذه حيث كان ، فهرب إلى الشامات ، فظفروا به ، فحمل مقيدا إليه ، فلما صار بين يديه قال له : يا ابن اللخناء ، أنت القائل في قصيدتك للقاسم بن عيسى : كل من في الأرض من عرب ، وأنشد البيتين ، جعلتنا ممن يستعير المكارم منه ويفتخر به . قال : يا أمير المؤمنين ، أنتم أهل بيت لا يقاس بكم ؛ لأن اللّه اختصكم لنفسه على عباده وآتاكم الكتاب والحكم وأنالكم ملكا عظيما ، وإنما ذهبت في قولي إلى الأقران والأشكال من هذا الناس ، فقال : واللّه ما أبقيت أحدا ، ولقد أدخلتنا في الكل وما أستحل دمك بكلمتك هذه ، ولكن بكفرك في شعرك حيث قلت في عبد ذليل مهين ، فأشركت باللّه العظيم ، وجعلت معه ملكا قادرا ، وهو قولك :